القيامة والحياة:
هبة الحياة الأبدية للمؤمنين
بين الإيقان بها والحرص عليها
ملخَّص:
1. الخلاص: الحياة الجديدة والحياة الأبدية.
2. الحياة الأبدية عنصر أصيل في التدبير الإلهي للخلاص.
3. الحياة الأبدية هبة الخلاص.
4. الحياة الأبدية والإيمان بالمسيح.
5. الإيمان والإيقان بالحياة الأبدية.
6. النعمة تسند حرصنا على الحياة الأبدية.
7. لا شركة للإيمان مع الخوف والشك.
1. الخلاص: الحياة الجديدة والحياة الأبدية:
يُترجم فعل الخلاص في الإنسان المؤمن على بُعْدين:
أولهما: على مستوى الحياة الحاضرة، وهو التمتُّع بالحياة الجديدة في المسيح يسوع: «فدُفنَّا معه بالمعمودية للموت، حتى كما أُقيم المسيح من الأموات، بمجد الآب، هكذا نسلك نحن أيضاً في جدَّة الحياة... فإن كنَّا قد مُتنا مع المسيح، نؤمن أننا سنحيا أيضاً معه» (رو 4:6و8)، «نحن نعلم أننا قد انتقلنا من الموت إلى الحياة» (1يو 14:3). ويتضمن الخلاص هنا الانتقال من حياة الخطية إلى حياة البر، كما ينتقل الإنسان من الظلمة إلى النور: «كنتم قبلاً ظلمة، وأما الآن فنور في الرب» (أف 8:5). وكأن الإنسان بموته مع المسيح قد خُلِق من جديد: «إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة» (2كو 17:5). فجدَّة الحياة ساطعة غير مختلطة بشيء من الفساد القديم، والانحياز للمسيح وكلمته هو دستور الحياة: «الذين هم للمسيح قد صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات» (غل 24:5)، ورَفْض الخطية والجهاد ضدها هما سمات الطبيعة الجديدة، والتوبة مفتوحة الأبواب إذا حوصر الإنسان بالضعف: «لنُحاضر بالصبر في الجهاد الموضوع أمامنا، ناظرين إلى رئيس الإيمان ومُكمِّله يسوع» (عب 1:12و2). والحصيلة في النهاية إيجابية، والإيمان ينمو، وثمار القداسة ومحبة الله والقريب تُكلِّل الحياة.
والبُعْد الثاني: يضرب في أعماق الزمن الآتي وهو نوال الحياة الأبدية (كما يضرب في أعماق الماضي للذين ماتوا على هذا الرجاء ــ عب 13:11ــ16). والبُعْدان متلازمان ويُمثـِّلان وجهين لحقيقة واحدة. فإذا كان الموت هو أجرة الخطية، فالحياة الجديدة هي بداية وعربون الحياة الأبدية ودخول الملكوت، وإليها يتطلَّع كل مؤمن يحيا في المسيح هنا على الأرض كميراث لكل المُخلَّصين:
+ «وأما الآن إذ أُعتقتم من الخطية، وصرتم عبيداً لله، فلكم ثمركم للقداسة، والنهاية حياة أبدية.» (رو 22:6)
+ «شاكرين الآب الذي أهَّلنا لشركة ميراث القديسين في النور.» (كو 12:1)
+ «فإن كنَّا أولاداً فإننا ورثة أيضاً: ورثة الله ووارثون مع المسيح.» (رو 17:8)
+ «حتى إذا تبرَّرنا بنعمته، نصير ورثة حسب رجاء الحياة الأبدية.» (تي 7:3)
+ «أَمَا اختار الله فقراء هذا العالم أغنياء في الإيمان، وورثة الملكوت الذي وعد به الذين يحبونه؟» (يع 5:2)
+ «رِثوا الملكوت المُعدّ لكم منذ تأسيس العالم.» (مت 34:25)
+ «وكل مَن ترك... من أجل اسمى، يأخذ مئة ضعف ويرث الحياة الأبدية.» (مت 29:19، مر 30:10، لو 30:18)
2. الحياة الأبدية عنصر أصيل في التدبير الإلهي للخلاص:
الخلاص هو التدبير الذي صنعه الله أبونا لإنقاذ الإنسان من الهلاك الأبدي. وهو إذا كان يبدأ خطواته الحاسمة بصليب المسيح وموته وقيامته، فهو يتواصل عَبْرَ الإيمان والجهاد والقداسة (عمل الروح القدس في المؤمنين) حتى يبلغ خطوته المجيدة في نوال الحياة الأبدية، النهاية السعيدة لتدبير الخلاص التي تعود بها الخليقة الجديدة إلى الملكوت الذي تعثَّرت الخليقة القديمة في دخوله بسبب السقوط ودخول الموت إلى العالم: «لأجل هذا هو وسيط عهد جديد، لكي يكون المدعوُّون ــ إذ صار موت لفداء التعدِّيات التي في العهد الأول ــ ينالون وعد الميراث الأبدي.» (عب 15:9)
وهذه الحياة الأبدية نأخذ عربونها هنا على الأرض: «ها ملكوت الله داخلكم» (لو 21:17)، ولم تَعُد هناك مسافة بين السماء والأرض، والروح القدس يملأ الكنيسة منذ يوم الخمسين ويلد كل يوم للكنيسة الذين يخلصون، والمؤمنون المنتقلون إلى السماء هم الجناح المنتصر الحاضرون دوماً مع الكنيسة التي لا تزال تجاهد على الأرض، وسرّ الشركة في جسد الرب ودمه يلغي الزمن ويُعلن حضور المسيح ويوحِّد ما بين الروح والجسد ويفتح السماء على الأرض.
بدون الحياة الأبدية يبدو الفداء ثمناً غالياً لهدف لا يُقارَن. فهل جاء الرب لمجرد أن يترك لنا وصايا للحياة هنا، أو يصنع ”دِيناً“ ثم يتركنا للموت ينهشنا كالآخرين كما كان الحال منذ آدم؟ وأي قيامة هذه يدخلها ”المؤمنون“ وهم ــ كغيرهم ــ لا يُدركون أن نصيبهم الأبدي قد كفله لهم المسيح بصليبه وموته وقيامته وصعوده؟
نعم، بغير الحياة الأبدية يصبح اسم ”المسيحي“ وهماً، وتصدق كلمات الوحي الإلهي: «إن كان لنا في هذه الحياة فقط رجاء في المسيح فإننا أشقى جميع الناس.» (1كو 19:15)
3. الحياة الأبدية هبة الخلاص:
تحفل آيات الكتاب ببيان أن الحياة الأبدية ــ كعنصر أساسي في الخلاص ــ هي هبة لا فضل فيها لغير نعمة الله وغِنَى عطاياه ومحبته غير المحدودة للإنسان ولا تطلب لاقتنائها غير الإيمان الحيّ والتمسُّك بالوعد: «وعد الحياة التي في يسوع المسيح» (2تي 1:1)، الذي سجَّله الوحي الإلهي لكل الأجيال على مدى الدهور، لكل مَن يحيا ابناً لله، إنساناً جديداً مخلوقاً «بحسب الله في البر وقداسة الحق» (أف 24:4)، يُمارس سلوك الأبناء ــ كما هو متمتع ببركات الأُبوَّة ــ فيحفظ وصايا أبيه محتمياً به من الأعداء، رافضاً خيانته، وينفلت راجعاً تائباً إذا زلَّ مخدوعاً. وفي هذا يتساوى كبار القديسين وأصاغر المؤمنين، الجميع ينالون الحياة الأبدية على سبيل النعمة وليس عن استحقاق أو جدارة، فليس أحد بلا خطية (1يو 8:1). والأمر هنا لا يتعلق بلحظة الموت، وإنما هل كنا في الإيمان أم لم نكن. فغير المؤمن الذي لم يصنع خطية ساعة الموت لن يدخل الحياة؛ كما أن المؤمن المُمسك بالحياة الأبدية (1تي 12:6)، حتى ولو كان قد أخطأ بالضعف، فخطيته ليست للموت (1يو 16:5و17)، لأنه بالخلاص قد انتقل من الموت إلى الحياة (يو 24:5):
+ «وهذا هو الوعد الذي وعدنا هو به: الحياة الأبدية.» (1يو 25:2)
+ «لأنه إن كان بخطية الواحد قد مَلَكَ الموت بالواحد، فبالأولى كثيراً الذين ينالون فيض النعمة وعطية البر، سيملكون في الحياة بالواحد يسوع المسيح. فإذاً كما بخطية واحدة صار الحكم إلى جميع الناس للدينونة، هكذا ببرٍّ واحد صارت الهبة إلى جميع الناس، لتبرير الحياة.» (رو 17:5و18)
+ «حتى كما مَلَكَت الخطية في الموت، هكذا تملك النعمة بالبر، للحياة الأبدية، بيسوع المسيح ربنا.» (رو 21:5)
+ «لأن أجرة الخطية هي موت، وأما هبة الله فهي حياة أبدية بالمسيح يسوع ربنا.» (رو 23:6)
4. الحياة الأبدية والإيمان بالمسيح:
تؤكِّد كلمة الله ــ كما رأينا ــ أن الحياة الأبدية هي هبة ووعد نناله على سبيل النعمة بالإيمان بالرب كمخلِّص، ولا يجرؤ واحد ــ مهما كانت درجة قداسته ــ أن يدَّعي أنه ينال الوعد مفتخراً بأعماله: «وإلاَّ فليست النعمة بعد نعمة» (رو 6:11). هذا ليس حطًّا من قدر الأعمال ــ وجه الإيمان الآخر الذي لا ينفصل عنه ــ فالإيمان يوصف بالإيمان العامل بالمحبة (غل 6:5)، والأعمال بأنها أعمال الإيمان (تمييزاً لها عن أعمال الجسد والناموس والبر الذاتي). فهي جزء طبيعي لا يستقل عن حياة الإيمان، لأنها ثماره التي سبق الله فأعدَّها لكي نسلك فيها (أف 10:2)، وهي هبات الروح القدس وعطاياه (غل 22:5و23)، وهي التي تشهد على حيوية الإيمان واتصاله بينبوع الحياة. فالخلاص وختامه ــ أي الحياة الأبدية ــ هما هبة الله ونعمته لمن يقبلون الرب مخلِّصاً.
الإيمان الحقيقي هنا هو إعلان القبول وتسليم الحياة والارتباط العضوي لشخص المسيح والكنيسة، والأعمال الحقيقية ــ أي أعمال الإيمان والجهاد والقداسة، وليس أعمال البر الذاتي والتديُّن الشكلي ــ هي التي ستُحدِّد موقعنا في بيت الآب وسط كل المفديين حيث يتألق الأبرار كالشمس في ملكوت أبيهم (مت 43:13).
وهذه آيات مختارة ــ لا نملّ مِن ذكرها ــ تشير إلى الدور المحوري للإيمان بالمسيح في نوال الحياة الأبدية:
+ «لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل مَن يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية.» (يو 16:3)
+ «أنا هو القيامة والحياة. مَن آمن بي ولو مات فسيحيا، وكل مَن كان حيًّا وآمن بي فلن يموت إلى الأبد.» (يو 25:11و26)
+ «الذي يؤمن بالابن له حياة أبدية.» (يو 36:3)
+ «لأن هذه هي مشيئة الذي أرسلني: أن كل مَن يرى الابن ويؤمن به تكون له حياة أبدية، وأنا أُقيمه في اليوم الأخير... مَن يؤمن بي فله حياة أبدية.» (يو 40:6و47)
+ «وهذه هي الشهادة: أن الله أعطانا حياة أبدية، وهذه الحياة هي في ابنه. مَن له الابن فله الحياة، ومَن ليس له ابن الله فليست له الحياة. كتبتُ هذا إليكم، أنتم المؤمنين باسم ابن الله، لكي تعلموا أن لكم حياة أبدية.» (1يو 11:5ــ13)
+ «مَن يسمع كلامي ويؤمن بالذي أرسلني فله حياة أبدية، ولا يأتي إلى دينونة، بل قد انتقل من الموت إلى الحياة.» (يو 24:5)
+ «وآيات أُخَرَ كثيرة صنع يسوع قدَّام تلاميذه لم تُكتب في هذا الكتاب. وأما هذه فقد كُتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله، ولكي تكون لكم إذا آمنتم حياة باسمه.» (يو 30:20و31)
نعمة الحياة الأبدية ــ كما تُسجِّل كلمة الله ــ هي للمؤمنين. هؤلاء معروفون عند الله، لا مجال للاختلاط هنا أو الأخطاء، حاشا لله، وأسماؤهم مكتوبــة في سفر الحياة منذ تأسيس العالم (لو 20:10، في 3:4، رؤ 8:17)، وحسب علم الله السابق قد تم اختيارهم وتعيينهم للتبنِّي بيسوع المسيح (رو 29:8و30، أف 4:1و5و11). فالمؤمنون هم المختارون، والمختارون هم المؤمنون «وآمن جميع الذين كانوا مُعيَّنين للحياة الأبدية.» (أع 48:13)
+ «أعرف خاصتي وخاصتي تعرفني... خرافي تسمع صوتي، وأنا أعرفها فتتبعني. وأنا أُعطيها حياة أبدية، ولن تهلك إلى الأبد، ولا يخطفها أحد من يدي. أبي الذي أعطاني إيَّاها هو أعظم من الكل، ولا يقدر أحد أن يخطف من يد أبي.» (يو 14:10و27ــ29)
(بقية المقال العدد القادم)
دكتور جميل نجيب سليمان
The Gift of Eternal Life for Believers – Part One
New Life Now, Eternal Life Promised
The concept of eternal life stands at the very heart of the Christian Gospel. It is not an addendum or a consolation prize — it is the core of what God has promised to those who belong to Him through faith in Jesus Christ. Understanding what eternal life is, when it begins, and what it means for the present life is foundational to living as a Christian in this world.
What Is Eternal Life?
It is tempting to think of eternal life primarily as endless duration — life that goes on forever after death. But the New Testament's concept is richer and more immediate than that. The Greek phrase zōē aiōnios means not merely "life that lasts forever" but "the life of the age to come" — the quality and character of life that belongs to God's new creation.
This understanding is confirmed by Jesus' own definition of eternal life in His high priestly prayer: "And this is eternal life, that they know you, the only true God, and Jesus Christ whom you have sent." (John 17:3). Eternal life is defined not as a quantity of time but as a relationship — knowing the Father and the Son. It is the life of intimate fellowship with the living God.
Eternal Life as a Present Possession:
One of the most striking features of John's Gospel is the consistent use of the present tense in relation to eternal life. The believer does not merely hope for eternal life — he or she has it now: "Truly, truly, I say to you, whoever hears my word and believes him who sent me has eternal life. He does not come into judgment, but has passed from death to life." (John 5:24)
This is an extraordinary statement. The transition from death to life is not a future event for the believer — it has already happened. The resurrection life of Jesus, conveyed to the believer by the Holy Spirit at the new birth, is the same life that will ultimately be consummated in the resurrection of the body and the fullness of God's new creation.
Paul expresses the same reality in different terms: "If then you have been raised with Christ, seek the things that are above, where Christ is, seated at the right hand of God." (Col. 3:1). In Christ, the believer's life is already hidden in God. The present life is not a waiting room for the real life — it is the first chapter of the eternal story.
The New Birth as the Beginning of Eternal Life:
Jesus' conversation with Nicodemus in John 3 establishes the new birth as the threshold of eternal life. "Truly, truly, I say to you, unless one is born again he cannot see the kingdom of God." (John 3:3). The new birth is not a metaphor for moral improvement or religious sincerity — it is a supernatural transformation of the inner person, brought about by the Holy Spirit, in which God's own life is communicated to the believer.
This is what the Apostle John means when he writes: "Whoever has the Son has life; whoever does not have the Son of God does not have life." (1 John 5:12). The possession of eternal life is inseparably connected to the possession of Christ. He is not merely the way to get eternal life — He is the eternal life: "This is the testimony, that God gave us eternal life, and this life is in his Son." (1 John 5:11)
Salvation: A Three-Tense Reality:
In the New Testament, salvation — including the gift of eternal life — is described in three tenses: past, present, and future.
The believer has been saved (past): justified, forgiven, adopted as a child of God, and united with Christ by the new birth. This is the accomplished work of grace. "By grace you have been saved through faith." (Eph. 2:8)
The believer is being saved (present): sanctified, transformed, growing in conformity to Christ by the ongoing work of the Holy Spirit. "…to us who are being saved it is the power of God." (1 Cor. 1:18)
The believer will be saved (future): glorified, resurrected, fully conformed to the image of Christ in the fullness of God's new creation. "We ourselves…groan inwardly as we wait eagerly for adoption as sons, the redemption of our bodies." (Rom. 8:23)
These three tenses are not three separate experiences — they are three aspects of the one gift of eternal life, unfolding through time toward its ultimate consummation.
The Foundation in Scripture:
The promise of eternal life is rooted in the entire biblical narrative. In the Old Testament, the covenant people looked forward to a time when God would dwell with His people in a direct and unmediated way, when death itself would be swallowed up, and when all tears would be wiped away (Isa. 25:8; Ezek. 37). The resurrection of the dead is explicitly affirmed in Daniel 12:2 and is implicit in the faith of Job: "For I know that my Redeemer lives, and at the last he will stand upon the earth. And after my skin has been thus destroyed, yet in my flesh I shall see God." (Job 19:25–26)
In the New Testament, these hopes are fulfilled and transformed in Jesus Christ — in whom eternal life has already broken into the present age through the resurrection, and in whom it will be fully revealed at His return.
In the second part of this article, we will consider the question of assurance: how can the believer be certain of eternal life? And we will examine the role of grace in sustaining the believer's perseverance to the end.
Dr. Jamil Najib Soliman