مقال رقم 19
Article #19

تعاليم المسيح عن التوبة – ٢

Christ's Teachings on Repentance – 2

بقلم د. جميل نجيب سليمان

By Dr. Jamil Najib Soliman

دراسة إنجيلية:

تعاليم المسيح عن التوبة

ــ 2 ــ

[ تناولنا في المقال الماضي (عدد فبراير 2002، ص 30)، مفهوم التوبة ومرادفاتها في العهد الجديد، ودعوة المسيح إلى التوبة كمدخل للحياة الجديدة، وأنه رغم أن الخطية مكرهة للرب إلاَّ أن قلبه مفعم بالحب والرحمة للخطاة. ويُعلِّم الرب عن شمول التوبة الأولى كنقطة تحوُّل في نهج الحياة وأهدافها نحو الله والملكوت.

ونواصل في هذا العدد عرض موقف الرب من الخطاة وكيف حرَّضهم على التوبة فتغيَّروا إلى النقيض.

وسنواصل في العدد القادم عرض سمات التوبة الحقيقية كما بدت في النماذج التي عرضها لنا العهد الجديد].

الرب يكشف عن موقف الله الإيجابي الكريم إزاء الخطاة الراجعين، فيسعى إليهم ويقبلهم ويعاملهم بالرقة والعطف لتشجيعهم على الثبوت في الحياة الجديدة ”في المسيح“:

1 ــ زكَّا (لو 1:19ــ10):

لقد طلب زكا «أن يرى يسوع مَن هو». فلما رآه يسوع قال له: «أسرع وانزل، لأنه ينبغي أن أمكث اليوم في بيتك».

فالله نظر إلى مجرد نية زكا في التعرُّف عليه والسعي إليه، ولم ينتظر أن يدعوه إلى بيته؛ بل اعتبر بيت زكا بيتاً له، يمكث فيه وليس فقط أن يزوره. والرمز هنا أن التوبة كفيلة بأن يستقر الله الطيب في قلب التائب: «هأنذا واقف على الباب وأقرع. إن سمع أحد صوتي وفتح الباب، أدخل إليه وأتعشى معه وهو معي.» (رؤ 20:3)

2 ــ المرأة الخاطئة (لو 36:7ــ50):

الرب يُظهر هنا حنانه فلا يقسو على الخطاة باستجواب يكشف خطيتهم، أو توبيخ يجرح مشاعرهم ويفضحهم، ولكنه إذ يـدرك عمق توبتهم وندامتهم وإحساسهم بالعار، يغمرهم بفيض حبه ورحمته وغفرانه لخطاياهم دون أن يتكلَّم كثيراً.

فالمرأة الخاطئة لم تتكلَّم، وإنما بكت وبلَّت قدمي السيد بدموعها (ندم شديد) ومسحتهما بشعر رأسها (انسحاق لا يُخْفَى) وقبَّلتهما ودهنتهما بالطيب (حب غامر). وقد أدرك الرب بغير كلام مدى محبتها لشخصه. من  أجل ذلك «غُفِرت خطاياها الكثيرة لأنها أحبت كثيراً...». ثم قال لها: «مغفورة لكِ خطاياك» (إعلان ما تم بالفعل ــ أي حِلاًّ من فمه). وفي النهاية قال لها: «إيمانك قد خلَّصكِ. اذهبي بسلام» (أي أن التوبة تستند إلى إيمانها بالمخلِّص. وبعد التحرُّر من الخطية يأتي السلام الموهوب من إله السلام).

والكنيسة تمجِّد توبة المرأة الخاطئة، واختارت هذا الفصل من الإنجيل لتقرأه في صلاة نصف الليل (الخدمة الثانية)، ويتمثَّل المصلِّي بالمرأة التائبة قائلاً: ”أعطني يارب ينابيع دموع كثيرة كما أعطيتَ منذ القديم للمرأة الخاطئة، واجعلني مستحقاً أن أَبل قدميك اللتين أعتقتاني من طريق الضلالة، وأُقدِّم لك طيباً فائقاً وأقتني لي عمراً نقياً بالتوبة لكي أسمع أنا ذلك الصوت الممتلئ فرحاً إن إيمانك خلَّصك“.

3 ــ المرأة الزانية (يو 3:8ــ11):

رغم فضيحة المرأة الزانيـة، إذ أنهــا أُمسكت في ذات الفعل، وأحـدق بها جمع كبير مِمَّن يكِنُّـون لها مشاعر الاحتقار والتشفِّي، وقد أمسكوا بحجارة ليرجموها؛ إلاَّ أن السيد أظهر لها كل رحمة وشفقة، وأعاد لها كرامتها الإنسانية التي أهدرتها الخطية والخضوع للدنس. كما كشف المسيح رياء المشتكين عليها وأنهم خطاة مثلها حتى انسحبوا من المكان مطأطئي الرؤوس. وبَقِيَ الرب يسوع وحده والمرأة واقفة في الوسط. وفي رقة قـال لها: «أين هم أولئك المشتكون عليكِ؟ أما دانك أحدٌ؟ فقالت: لا أحد يا سيد. فقال لها يسوع: ولا أنا أدينكِ. اذهبي ولا تُخطئي أيضاً.» (يو 10:8و11)

فمحبة الله الغافرة التي يُفاجأ بها الخطاة تأسرهم فتغيِّرهم. والرب يُقدِّم لكل الرعاة والخُدَّام نموذج المحبة القاهرة للخطية مهما عظمت، والتي فيها يتحوَّل الخطاة والمنحرفون ــ حتى العتاة منهم ــ إلى قديسين، والزناة التائبون إلى بتوليين من جديد.

4 ــ الابن الضال (لو 11:15ــ32):

يضيف هذا المثل الشهير ــ الحافل بالتفاصيل التي حرص الرب على ذكرها ــ جوانب أخرى عن خطوات التوبة كما جازها الابن العائد، وموقف الله من الخطاة التائبين كما تجلَّت في تصرُّفات الأب في المثل. وها نحن نتوقَّف عند عناصر ورموز المثل لنرى إلى ما تشير:

فعن الابن يقول المثل إنه عندما أدرك ضلاله: «رجع إلى نفسه» (لو 17:15)، فكانت الخطوة الأولى في التوبة هي مراجعة النفس والإقرار بتدهور الحياة. وكانت الخطوة التالية اتخاذ القرار: «أقوم وأذهب إلى أبي وأقول له: يا أبي أخطأتُ» (لو 18:15)، والخطوة الثالثة تنفيذ القرار بحسم ودون تردُّد: «فقام وجاء إلى أبيه» (لو 20:15)، وكانت الخطوة الأخيرة الاعتراف بالخطأ: «أخطأتُ إلى السماء وقدَّامك، ولستُ مُستحقاً بعد أن أُدعى لك ابناً.» (لو 21:15)

أما عن ردِّ الفعل المقابل للأب ــ الذي يُعبِّر عن موقف الله من الخطاة الراجعين بعد الغياب ــ فيشير المثل إلى انتظار الأب عودة ابنه: «إذ كان لم يَزَلْ بعيداً» (لو 20:15) مسانداً فكرة التوبة. ويواصل المثل فيقول: «رآه أبوه» أي أدرك نيته؛ «فتحنَّن»، ولم يستعد للعقاب والمؤاخذة، بل «ركض» أي أسرع إليه قبل أن يتلقَّفه عدو الخير ليثنيه عن عزمه، «ووقع على عنقه» مُرحِّباً سعيداً لا جامداً غاضباً لكي يزيل حرجه، «وقبَّله» رغم هيئته الزرية ــ أي قَبـِلَه كما هو ــ ولكن عامله كابن عائد رغم أنه أهانه وهجره بإرادته.

وإذ دعا لحفلٍ بهذه المناسبة السعيدة، «قال الأب لعبيده: أخْرِجوا الحُلَّة الأولى وألبسوه»، فالتوبة تطرح الماضي كأنه لم يكن وتكسو التائب ثوب البر من جديد؛ «واجعلوا خاتماً في يده»، فالخاطئ العائد مهما طالت غربته يظل ابناً ووارثاً وهذا الخاتم هو علامة البنوَّة؛ «وحذاء في رجليه» (لو 22:15)، فلجوء التائب إلى حضن الله بعد الضلال يكفل له الرعاية والحماية الإلهية التي يرمز إليها لبس الحذاء (ولن يحتاج فيما بعد إلاَّ إلى غسل رجليه ــ يو 10:13)؛ «وقدِّموا العجل المُسمَّن واذبحوه»، هنا يُعبِّر الرب عن فرحه ورضاه بفيض البركة وإعادة الخاطئ إلى المائدة المقدسة؛ «فنأكل ونفرح» (لو 23:15)، لأنه «هكذا يكون فرح في السماء (قدَّام ملائكة الله) بخاطئ واحد يتوب أكثر من تسعة وتسعين باراً لا يحتاجون إلى توبة.» (لو 7:15و10)

ولكن، لماذا كل هذا الفرح بعودة الخاطئ؟ ها هو الرب يُقدِّم حججه:

( أ ) لأن الخاطئ التائب في نظر الله يكون كميت قد عاد إلى الحياة، وكضال اهتدى بعد التيه (لو 24:15و32)، «تأتي ساعة وهي الآن، حين يسمع الأموات صوت ابن الله، والسامعون يَحْيَوْن.» (يو 25:5)

هذا الاهتمام بعودة الضال شبيه بمحبة الأب للابن العليل المحتاج للرعاية أكثر من سائر إخوته الأصحاء الذين يحبهم الأب بالتأكيد، ولكن لأنهم ثابتون في الطريق فلا يحتاجون إلى إنقاذ من الهلاك: «يا بُنيَّ أنت معي في كل حين، وكل ما لي فهو لك» (لو 31:15). فهم مستمتعون بــالوجود مع أبيهم ولم يتعرَّضوا لهـذه الغربـة والمذلـة التي يتعرَّض لها الخطاة الشاردون الذيـن يخدعهم عدو كل خير.

(ب) ثم يُقدِّم الرب هذا المثل الآخر: «أيُّ إنسان منكم له مئة خروف، وأضاع واحداً منها، أَلاَ يترك التسعة والتسعين في البرية، ويذهب لأجل الضال حتى يجده؟ وإذا وجده يضعه على منكبيه فرحاً، ويأتي إلى بيته ويدعو الأصدقاء والجيران قائلاً لهم: افرحوا معي.» (مت 12:18و13، لو 3:15ــ7)

(ج) ثم يورد هذا المثل الثالث: «أو أيَّة امرأة لها عشرة دراهم. إن أضاعت درهماً واحداً، ألا توقد سراجاً وتكنس البيت وتفتش باجتهاد حتى تجده؟ وإذا وجدته تدعو الصديقات والجارات قائلة: افرحن معي...» (لو 8:15ــ10)

في ذات الوقت فإن الله يدين غير التائبين:

فيذكر البشير متى  أن الرب «ابتدأ يُوبِّخ المدن التي صُنعت فيها أكثر قوَّاته لأنها لم تَتُب»، وصبَّ الويلات على كورزين وبيت صيدا وكفرناحوم، منبئاً أن صور وصيدا وحتى سدوم ستكون لها حالة أكثر احتمالاً يوم الدين مما لهذه البلاد (مت 20:11ــ24). وفي إنجيل القديس لوقا يُحذِّر الرب كل الغافلين: «إن لم تتوبوا فجميعكم كذلك تهلكون.» (لو 3:13و5)

وإذا كان الله قد قَبـِلَ العشار التائب الشاعر بالخزي بسبب الخطية ولم يجد غير كلمات قليلة يطلب بها الغفران، فإنه رفض صلاة الفرِّيسي المعتدّ ببره الشخصي وشعوره بعدم الحاجة إلى الله: «أقول لكم: إن هذا (العشار) نزل إلى بيته مبرَّراً دون ذاك (الفرِّيسي).» (لو 14:18)

ولكن الله لا يتصيَّد الخطاة في خطيتهم ليُعاقبهم «لكنه يتأنَّى علينا، وهو لا يشاء أن يَهْلِك أُناسٌ، بل أن يُقْبـِل الجميع إلى التوبة» (2بط 9:3)، «هكذا ليست مشيئة أمام أبيكم الذي في السموات أن يهلك أحد هؤلاء الصغار.» (مت 14:18)

كما أن الرب طويل الأناة مستعد أن يصبر على المتهاونين مترجياً توبتهم. ففي شجرة التين يقبل السيد كلام الكرَّام عن الشجرة غير المثمرة: «يا سيد، اتركها هذه السنة أيضاً، حتى أنقب حولها وأضع زبلاً (الجهاد ضد الخطية). فإن صنعت ثمراً (يكون خيراً وبركة)، وإلاَّ ففيما بعد تقطعها.» (لو 6:13ــ9)

(يتبع)

دكتور جميل نجيب سليمان

Last Updated on Saturday, 14 May 2011 17:46

Christ's Teachings on Repentance – Part Two

Christ's Positive Response to Sinners

In the first part of this series, we explored the concept of metanoia — repentance as a fundamental reorientation of the mind, heart, and will. We saw how the parables of the Lost Sheep, the Lost Coin, and the Lost Son all portray the same truth from different angles: God is the one who seeks, finds, and rejoices over the restoration of the lost. In this second part, we examine how Jesus' actual encounters with sinners in the Gospels illustrate His teaching on repentance — encounters that consistently surprise with their warmth, their directness, and their life-transforming power.

Zacchaeus: The Sought and Found:

The story of Zacchaeus (Luke 19:1–10) is in many ways the perfect illustration of the dynamic Jesus described in His parables. Zacchaeus was a chief tax collector — a collaborator with the Roman occupiers, deeply despised by his fellow Jews, and, by his own admission, a man who had defrauded many. He was the classic definition of a sinner in first-century Jewish society.

Yet when Jesus passed through Jericho, something in Zacchaeus was drawn to see Him. He climbed a sycamore tree — an undignified act for a man of his social position — just to catch a glimpse. Jesus stopped beneath the tree and looked up: "Zacchaeus, hurry and come down, for I must stay at your house today." (Luke 19:5). Not "I might consider staying" or "I will stay if you are worthy" — but "I must." There is a divine necessity here. This encounter was not accidental; it was appointed.

The crowd grumbled — how could the teacher defile himself by staying with such a sinner? But Zacchaeus responded with immediate and radical repentance: "Behold, Lord, half of my goods I give to the poor. And if I have defrauded anyone of anything, I restore it fourfold." (Luke 19:8). No prompting, no demand, no conditions set by Jesus. The encounter with Christ was itself sufficient to produce a transformation that no external pressure had been able to achieve.

And Jesus' verdict: "Today salvation has come to this house…For the Son of Man came to seek and to save the lost." (Luke 19:9–10). This is why He came. Not to the self-sufficient but to the lost. Not to the comfortable but to those who know they need saving.

The Sinful Woman: Much Forgiven, Much Love:

In Luke 7:36–50, a woman "who was a sinner" — the text suggests a woman of ill repute, possibly a prostitute — entered the house of Simon the Pharisee where Jesus was dining. She stood behind Jesus, weeping, and her tears fell on His feet; she wiped them with her hair, then kissed His feet and anointed them with an expensive perfume.

Simon was scandalized. He thought: if Jesus were really a prophet, He would know what kind of woman this is and He would not allow her to touch Him. Jesus read his thoughts and told a parable: two debtors, one owing fifty denarii and one five hundred, both had their debts canceled. Which would love the creditor more? Simon answered: "the one for whom he canceled the larger debt." Jesus replied: "Therefore I tell you, her sins, which are many, are forgiven — for she loved much. But he who is forgiven little, loves little." (Luke 7:47)

This extraordinary encounter reveals several truths. First, that love is the fruit of forgiveness, not its cause — she did not love in order to be forgiven; she loved because she already knew herself to be forgiven. Second, that the recognition of one's own great need is itself an advantage — Simon, who considered himself self-righteous, loved little because he thought he needed little. The "sinner" who knew her need was closer to the Kingdom than the "righteous" man who did not know his.

And Jesus said to her: "Your sins are forgiven…Your faith has saved you; go in peace." (Luke 7:48–50). He did not send her away to prove herself over time. He pronounced forgiveness in the moment and sent her into a future of peace.

The Woman Caught in Adultery:

In John 8:3–11, the scribes and Pharisees brought to Jesus a woman caught in the act of adultery — presented as a test case, to see if He would uphold the Mosaic law or show mercy. Jesus wrote on the ground (the only recorded instance of His writing), then said: "Let him who is without sin among you be the first to throw a stone at her." (John 8:7). One by one, beginning with the elders, they left.

When they were gone, Jesus said to the woman: "Woman, where are they? Has no one condemned you?" She said, "No one, Lord." And Jesus said, "Neither do I condemn you; go, and from now on sin no more." (John 8:10–11). Two things are inseparable here: the absence of condemnation and the call to transformation. He does not condone the sin; He forgives the sinner and calls her to a new life. His mercy is not indifference to morality — it is the foundation on which genuine moral transformation becomes possible.

The Common Pattern:

Across all these encounters — and the many others like them (the Samaritan woman at the well, Matthew the tax collector, the thief on the cross) — a consistent pattern emerges. Jesus does not wait for sinners to achieve a satisfactory standard of repentance before accepting them. He meets them exactly where they are. But the encounter with Him invariably produces transformation: Zacchaeus gives away half his goods, the sinful woman weeps with love, the woman in adultery is sent to a new life. His acceptance is the beginning of the transformation, not its reward.

This is the Gospel of repentance that Jesus modeled in His own life before He taught it in words: God is not waiting at a distance, hoping we will eventually get ourselves together enough to approach Him. He is actively seeking, calling, engaging, and welcoming — and the encounter with His seeking love is itself the most powerful catalyst of genuine repentance.

Dr. Jamil Najib Soliman

→ السابق ↑ كل المقالات التالي ←