Home المقالات أعظم من يونان
Print

 

دراسة كتابية:

المعاني المختلفة للخلاص في الكتاب

ــ 2 ــ

تحدَّثنا في العدد السابق (نوفمبر 2002، ص 31) عن معاني الخلاص المختلفة سواء بالمعنى الحرفي أو بالمعنى الشامل أو بمعنى الإنقاذ من الموت الأبدي أو بمعنى حياة القداسة. وسوف نُكمِل في هذا العدد الحديث عن الخلاص كحقيقة اسخاتولوجية (أُخروية). كما نوضِّح أن الخلاص هو حياة بأكملها، يبدأ بلحظة أو خطوة أو لقاء يُغيِّر الحياة، ليستمر عابراً كل الحياة ومحتوياً كل جوانبها، ممتداً إلى الأبدية بلا نهاية.

 

خامساً: الخلاص كحقيقة اسخاتولوجية eschatological،

 

بمعنى دخول الحياة الأبدية ونوال إكليلها:

 

أي حياة الدهر الآتي حسب تعبير قانون الإيمان المسيحي.

 

هذا هو الخلاص الأخير أو الخلاص المستعد أن يُعلَن في الزمان الأخير (انظر 1بط 5:1). وهو يُعلن فصل الختام ونوال الإكليل أي التمجيد Glorification، حيث سيتجلَّى الكيان كله جسداً وروحاً، كما سيتجلَّى الكون كله في سماء جديدة وأرض جديدة بعد أن تمضي السماء الأولى والأرض الأولى (2بط 13:3، رؤ 1:21).

 

ولكن كل ما هو مستقبلي، فإنه يبدأ الآن ثقةً في وعد الله: «ولكننا بحسب وعده ننتظر سموات جديدة وأرضاً جديدة يسكن فيها البر» (2بط 13:3)، ورجاءً في مجيء الرب الثاني الذي نراه منذ الآن بعين الإيمان: «ها ملكوت الله داخلكم.» (لو 21:17)

 

وهذه بعض كلمات الكتاب المتعلِّقة بالخلاص الأخير المرتبط بمجيء الرب وقيامة الحياة:

 

+ «ولكن الذي يصبر إلى المنتهى فهذا يخلُص.» (مت 22:10؛ 13:24)

+ «لأننا بالرجاء خَلَصنا.» (رو 24:8)

+ «حتى إذا تبرَّرنا بنعمته نصير ورثة حسب رجاء الحياة الأبدية.» (تي 7:3)

+ «أنتم الذين بقوة الله محروسون، بإيمانٍ، لخلاصٍ مُستَعَدٍّ أن يُعلَن في الزمان الأخير.» (1بط 5:1)

+ «هذا وإنكم عارفون الوقت، أنها الآن ساعة لنستيقظ من النوم، فإن خلاصنا الآن أقرب مِمَّا كان حين آمنا. قد تناهى الليل وتقارَب النهار، فلنخلع أعمال الظلمة ونلبس أسلحة النور.» (رو 11:13و12)

الإشارة هنا إلى مجيء الرب الأخير أو الانطلاق إلى السماء.

+ «وإذ كُمِّل صار لجميع الذين يُطيعونه سبب خلاص أبدي.» (عب 9:5)

+ «فمِن ثمَّ يقدر أن يُخلِّص أيضاً إلى التمام الذين يتقدَّمون به إلى الله، إذ هو حيٌّ في كل حين ليشفع فيهم.» (عب 25:7)

+ «هكذا المسيح أيضاً، بعدما قُدِّم مرة لكي يحمل خطايا كثيرين، سيظُهَر ثانية بلا خطية للخلاص للذين ينتظرونه.» (عب 28:9)

فظهور المسيح الأول كان للتعامل مع الخطية التي حرَّر الإنسان من سلطانها وأزال عقوبتها. أما ظهوره الثاني المخوف المملوء مجداً فسيكون لتمجيد قديسيه الذين ينتظرونه ولدينونة الرافضين.

+ «فإن سيرتنا نحن هي في السموات، التي منها أيضاً ننتظر مُخلِّصاً هو الرب يسوع المسيح، الذي سيُغيِّر شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده.» (في 20:3و21)

فالمسيح لم يفقد لقبه ”المخلِّص“، ولكن إذا كان الخلاص الأول بالصليب والموت، فالخلاص الأخير بالمجيء الممجَّد ودعوة قديسيه لدخول العُرس السماوي.

+ «وأخيراً قد وُضِع لي إكليل البر، الذي يهبه لي في ذلك اليوم الرب الديَّان العادل، وليس لي فقط، بل لجميع الذين يحبُّون ظهوره أيضاً.» (2تي 8:4)

في الرجاء الذي لا يُخزي رأى القديس بولس نفسه مكلَّلاً في اليوم الأخير مع كل المترجين مجيء الرب.

+ «وسمعتُ صوتاً عظيماً قائلاً في السماء: الآن صار خلاص إلهنا وقدرته ومُلْكه وسلطان مسيحه، لأنه قد طُرح المشتكي على إخوتنا، الذي كان يشتكي عليهم أمام إلهنا نهاراً وليلاً. وهم غلبوه بدم الخروف وبكلمة شهادتهم، ولم يُحبوا حياتهم حتى الموت.» (رؤ 10:12و11)

 

فالصوت العظيم برؤيا المستقبل يتكلَّم عن خلاص ”الآن“، الذي موعد إعلانه اليوم الأخير.

 

فالمؤمنون المجاهدون عينهم على الخلاص الأخير ومجيء الرب. وهتافهم منذ الأيام الأولى: ”ماران آثا“ أي: ”تعالَ أيها الرب“ (انظر 1كو 22:16، رؤ 20:22).

 

وبحسب التشبيه الذي استخدمناه (أي: دخول الجامعة، اجتياز سنوات الدراسة وامتحاناتها، الحصول على الشهادة)، فالخلاص الأخير هو نوال الشهادة. ولكن إذا كانت الشهادة الجامعية هي مقابل اجتهاد التلميذ وسهره واجتيازه الامتحانات بنجاح، فإن دخول الأبدية صار ممكناً فقط بعمل دم المسيح الذي فدانا والذي بذله الآب حبًّا في العالم: «لكي لا يهلك كل مَن يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية» (يو 16:3). فلا استحقاق أو فضل لأعمال القداسة في دخول الملكوت، وإنما هي تشهد لحيوية إيماننا وثبوتنا في المسيح، وهي التي عند تقييمها ستحدِّد موقعنا في الأبدية: «فإن ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته، وحينئذ يُجازي كل واحد حسب عمله» (مت 27:16)، «لأنك تُكافَى في قيامة الأبرار» (لو 14:14)، «لأن نجماً يمتاز عن نجم في المجد» (1كو 41:15)، «ها أنا آتي سريعاً وأُجرتي معي، لأُجازي كل واحد كما يكون عمله.» (رؤ 12:22)

 

فالأعمال ليست شيئاً مستقلاً عن الإيمان، بل هي الثمار الطبيعية للإيمان الحي ــ أي العامل بالمحبة في المسيح يسوع (انظر غل 6:5) ــ وأصالة هذا الإيمان وصدقه قد اجتاز اختبارات الله، فأنعم الرب علينا بخلاصه (كما بدا صدق إيمان إبراهيم بتصديقه وعد الله بولادة إسحق ــ رو 22:4، وبتقديم ابنه إسحق على المذبح ــ يع 21:2). فالإيمان الذي يؤهِّل للخلاص نوعٌ واحد، أما الإيمان الشكلي السطحي (الذي يصفه معلِّمنا يعقوب بأنه بدون أعمال) فليس إيماناً ولا يستحق هذا الاسم، وهو بالفعل ميت (يع 20:2)، ولا قيمة له: «فالشياطين يؤمنون (أي يعتقدون ويُصدِّقون) ويقشعرون» (يع 16:2). وبالمثل فالأعمال التي لا تستند إلى الإيمان كأعمال الناموس (رو 28:3، غل 16:2) وكل أعمال البر الذاتي المستقلة عن الإيمان بالمسيح، هي أيضاً لا شيء، أي ميتة: «فكم بالحري يكون دم المسيح... يُطهِّر ضمائركم من أعمال ميتة.» (عب 14:9)

 

الخلاص الأخير ودخول الأبدية يختلف، إذن، عن نوال الشهادة الجامعية ــ التي نأخذها باستحقاقنا ــ بأنه هبة مجانية لكل مؤمن تمَّم خلاصه بخوف وقداسة وقبول للألم حتى الساعة الأخيرة. ويبقى التقدير المتراوح بين الممتاز والمقبول ــ والذي سيُعلن في اليوم الأخير ــ مرتبطاً بأعمال الإيمان والحب والخدمة والبذل وقبول الألم والموت من أجل المسيح: «ولكن كل واحد في رتبته» (1كو 23:15). وقتها يتألق الأنبياء والتلاميذ والرسل والشهداء والقديسون: «حينئذ يُضيء الأبرار كالشمس في ملكوت أبيهم.» (مت 43:13)

 

بين هذه المراحل للخلاص، وهي حلقات متصلة متكاملة تؤدِّي كل منها للأخرى بلا انفصال، يُركِّز البعض على بداية الخلاص (وهذا مهم بالطبع، فالذي لم يبدأ لن يواصل ويستكمل مسيرته إلى النهاية)، ولكن مجرد البدء لا يعني الوصول إلى النهاية.

 

والبعض يُركِّز على الحياة الروحية ومسيرة الخلاص أثناء الحياة وتتميمه بخوف ورعدة واتضاع (وهذا أيضاً غاية في الأهمية، فالذي ابتدأ ولم يُكمل ــ لو 29:14 ــ لن يحقق شيئاً)، ولكن من المهم أن نحث الجميع أن يتيقَّنوا أنهم قد بدأوا بالفعل توبة شاملة، وأنهم يسيرون في طريق الرب مجاهدين.

 

والبعض يكتفي بأن يجاهد دون أن يضع عينه على الحياة الأبدية وهي أعظم الهبات التي وهبنا إيَّاها الرب. فلا يقين عنده ولا رجاء، مع أنها ليست مبالغة أن يثق مَن يتبعون الرب ولا نصيب لهم غيره: «يا رب إلى مَن نذهب. كلام الحياة الأبدية هو عندك» (يو 68:6). إنهم يعيشون الحياة الأبدية منذ الآن (لو 21:17)، وهي نصيبهم الذي سوف يُعلن في اليوم الأخير. فإذا غاب عنا يقين ورجاء الحياة الأبدية، فماذا يكون، إذن، معنى الإيمان بالمسيح كمخلِّص؟ ونقول مع بولس الرسول: «إن كان لنا في هذه الحياة فقط رجاء في المسيح، فإننا أشقى جميع الناس.» (1كو 19:15)

 

إن الخلاص ــ كما كشفت عنـه كلمـة الله ــ هو حياة بأكملها، ليس نقطة أو لحظة أو خطوة واحدة، إنــه عملية وفعل متجدِّد مستمر، حتى وإن كان يبدأ بلحظة أو خطوة أو فعل أو لقاء يغيِّر الحياة وينقل من الظلمة إلى النور، ويصنع خليقة جديدة، ليستمر عابراً كل الحياة ومحتوياً كل جوانبها، حيث المسيح يملك على كل القلب والنفس والفكر والقدرة (مر 30:12)، ويمتد إلى الحياة بلا نهاية.

 

ومن هنا فلا يصح أن يضطرب المؤمن، جهلاً أو خوفاً أو توجُّساً، عندما يُسأل عن خلاصه. والإجابة التي تُمجِّد خلاص الرب الثمين الذي صنعه فينا هي: إننا بنعمة الله سائرون في طريق الخلاص. المسيح خلَّصنا بفدائه، بذبيحة الصليب، واشترانا بدمه، ونحن قبلنا هذا الخلاص بالمعمودية والإيمان (أو بالإيمان والمعمودية بالنسبة للبالغين) (المعنى الثاني والمعنى الثالث). ولكننا نواصل ثابتين مجاهدين مثابرين في مسيرة الخلاص (المعنى الرابع)، لننال ونكمل خلاص الرب لنا عند مجيئه الثاني في الملكوت الأبدي (المعنى الخامس).

 

فنحن، نعم، خلصنا، ونخلُص، وسنخلص؛ بنعمة الله ومساندة الروح القدس والشفيع الوحيد بين الله والناس (1تي 5:2، 1يو 1:2) القادر وحده أن يحفظ وديعتنا إلى اليوم الأخير (2تي 12:1).

+ «خرافي تسمع صوتي، وأنا أعرفها فتتبعني. وأنا أُعطيها حياةً أبدية، ولن تهلك إلى الأبد، ولا يخطفها أحدٌ من يدي. أبي الذي أعطاني إيَّاها هو أعظم من الكل، ولا يقدر أحد أن يخطف من يد أبي.» (يو 27:10ــ29)

ويبقى أن نظل ساهرين مُقاومين إبليس عدونا الذي لا يهدأ، وعيننا على كنز خلاصنا الثمين مُمسكين بالحياة الأبدية، وواثقين في دوام محبة الرب وعنايته: «فهو يبقى أميناً لن يقدر أن يُنكر نفسه» (2تي 13:2)، وراذلين كل ثقة بالذات، ومحاذرين من الارتداد إلى الجسد بعد أن بدأنا بالروح، وراجعين بالتوبة كلما أخطأنا (1يو 1:2و2)، ومتمثـِّلين بإيمان مَن سبقونا إلى وليمة عُرس الخروف (عب 7:13).

+ «إذاً مَن يظن أنه قائمٌ، فلينظر أن لا يسقط.» (1كو 12:10)

+ «إن لم تتوبوا فجميعكم كذلك تهلكون.» (لو 5:13)

+ «فلا نَنَمْ إذاً كالباقين، بل لنسهر ونصْحُ.» (1تس 6:5)

+ «أقمع جسـدي وأستعبده، حتى بعدمــا كرزتُ للآخرين لا أصير أنــا نفسي مــرفوضاً.» (1كو 27:9)

+ «تمسَّك بما عندك لئلا يأخذ أحد إكليلك.» (رؤ 11:3)

 

ــ وإلى كل مَن سلَّم حياته للمخلِّص: فليُتمِّم خلاصه بخوف ورعدة، محتمياً في «نعمة الله المخلِّصة لجميع الناس» (تي 11:2) حتى الساعة الأخيرة، مترجِّياً يوماً يأتي فيه الرب لإعلان الخلاص الأخير وتمجيد قديسيه.

 

ــ وإلى الأتقياء المتمِّمين لوصايا الرب، ولكنهم محاصرون بالخوف من يوم اللقاء أو غياب اليقين من جهة المصير: فليعرفوا أن الخوف والشك هما ضد الإيمان والمحبة، وليتمسكوا بوعد راعي الخراف العظيم أنهم محفوظون في يده ولن يهلكوا إلى الأبد (يو 28:10).

 

ــ وإلى المتدينين الشكليين والمؤمنين المدَّعين الذين يكتفون بظاهر العبادة وحرفها دون روحها، والذين يجتهدون عبثاً لخدمة السيدين تفادياً لعبء التبعية وتسليم الحياة للسيد الحقيقي: هذا طريق لن يوصِّل إلى شيء، وعليهم أن يدخلوا الخلاص من بابه الوحيد المؤدِّي إلى الحياة الأبدية، أي شخص المسيح: «أنا هو الباب. إن دخل بي أحدٌ فيخلُص» (يو 9:10) بإعلان الإيمان الحقيقي به كمخلِّص، والذي يُترجم إلى توبة شاملة تطرح الماضي بجملته لتبدأ حياة جديدة في النور، أي لتبدأ مسيرة الخلاص كل الحياة، حيث المسيح فيها هو أيضاً ”الطريق“: «أنا هو الطريق والحق والحياة. ليس أحد يأتي إلى الآب إلاَّ بي.» (يو 6:14)

 

ــ وأخيراً، إلى التائهين الشاردين الذين تحملهم الرياح على غير هدي وتدفعهم الأحداث أو تحتويهم محبة العالم وفساده أو لا وقت عندهم للتبصُّر في المصير الأبدي؛ هؤلاء هم موضع اهتمام الرب ومحبته ومن أجلهم جاء ومات: «لأن ابن الإنسان قد جاء لكي يطلب ويُخلِّص ما قد هلك» (لو 10:19)، والكتاب يقول: «إنها الآن ساعة لنستيقظ من النوم» (رو 11:13). والمخلِّص محب الخطاة واقف على الباب يقرع منتظراً دعوة العشاء (رؤ 20:3).

 

+ «رنموا للرب ترنيمة جديدة، رنِّمي للرب يا كل الأرض.

رنموا للرب باركوا اسمه، بشـِّروا من يوم إلى يوم بخلاصه.» (مز 1:96و2)

دكتور جميل نجيب سليمان

 

Last Updated on Saturday, 26 March 2011 13:16