مقال رقم 10
Article #10

الله ضابط الكل – ١

God the Almighty – 1

بقلم د. جميل نجيب سليمان

By Dr. Jamil Najib Soliman

مبادئ مسيحية:

الله

ضابط الكل

ملخَّص:

1.   الله ضابط الكون.

2.   الله ضابط العلاقات مع وبين البشر والحكَّام والدول.

3.   الله ضابط الجسد والنفس والروح.

4.   الله ضابط سلطان إبليس وتجارب المؤمنين.

نحن مدينون بتعبير ”ضابط الكل“ (pantokrator) لآباء مجمع نيقية (325م) المسترشدين بالروح القدس، وبالأخص للقديس أثناسيوس الرسولي الذي صكَّ هذا المصطلح.

و”ضابط الكل“ صفة تُطلق على الله الآب ــ كما في قانون الإيمان ــ ”نؤمن بإله واحد الله الآب ضابط الكل“. كما تُطلق على الله الابن ــ كما في القداس الإلهي للقديس باسيليوس ــ إذ يشير إلى الجسد المقدس والدم الكريم اللذين ”لمسيحه الضابط الكل الرب إلهنا“. وإذ ينبثق الروح القدس من الآب في الابن فهو أيضاً الروح المهيمن على الكون وكل ما فيه، إنه روح الله الذي يُحقِّق إرادته كقادر على كل شيء.

ومعنى أن الله ضابط الكل هو أنه يهيمن على الكون كله الذي أوجده بما فيه من أفلاك ومجرَّات، ونجوم وكواكب، ما في السموات وما على الأرض وما تحت الأرض، وكل المخلوقات الحية وغير الحية، أرواحاً كانت أم نباتاً أم حيواناً أم بشراً أم جماداً، سواء خلقها في لحظة من الزمان أم على مدى ملايين السنين.

وهو ضابط الكل لأنه كلِّي الوجود Omnipresent، وكلِّي القدرة Omnipotent، وكلِّي المعرفة Omniscient. وهو الألف والياء، البداية والنهاية (رؤ 8:1)، وبيده الحياة والموت.

1 ــ الله ضابط الكون:

أي أنه يمسك بالأفلاك بما فيها من مجرات وما تحويه من نجوم وكواكب تدور حولها. وهو يضبط مواقعها النسبية، وتحكُم علاقاتها القوانين التي وضعها. فلا تزيد من سرعتها ولا تُبطئ. ولا تقترب أكثر أو تتباعد. وهذا ما يضمن سلامة الكون كله حتى اليوم الأخير الذي عيَّنه، حين يأمر الله القوانين أن تتوقف ويسمح بأن تمضي السماء الأولى والأرض الأولى (رؤ 1:21)، و«تُظلِم الشمس، والقمر لا يُعطي ضوءه، والنجوم تسقط من السماء» (مت 29:24)، و«تزول (تنحلّ) السموات (ملتهبة) بضجيج، وتنحل العناصر محترقة (تذوب)، وتحترق الأرض والمصنوعات التي فيها» (2بط 10:3و12). ويتحقق وعد الرب بسماء جديدة وأرض جديدة يسكن فيها البر (2بط 13:3، رؤ 1:21).

وفيما يتعلَّق بكوكب الأرض (الذي نعيش عليه) وسائر المجموعة الشمسية التي تؤثـِّر فينا، فإن هيمنة الله تنسحب أيضاً على توالي الأيام، نهارها وليلها، وتتابُع الفصول، وحركة الرياح والأمطار والبحار والأنهار والنبات والحيوان في كل البيئات، والكائنات الدقيقة بكل أنواعها، وكل القوى والنظم والطاقات المختلفة، ما يُرَى وما لا يُرَى.

ومن هذه العلاقة الوثيقة بين الله وخلائقه على تنوُّع صنوفها، تأمَّل كاتب المزمور قائلاً:

+ «سبِّحوا الرب من السموات، سبِّحوه في الأعالي. سبِّحوه يا جميع ملائكته، سبِّحوه يا كل جنوده. سبِّحيه يا أيتها الشمس والقمر، سبِّحيه يا جميع كواكب النور. سبِّحيه يا سماء السموات ويا أيتها المياه التي فوق السموات. لتُسبِّح اسم الرب لأنه أَمَرَ فخُلِقَت. وثبَّتها إلى الدهر والأبد. وضع لها حدًّا فلن تتعدَّاه.

سبِّحي الرب من الأرض يا أيتها التنانين وكل اللُّجج. النار والبَرَد والثلج والضباب، الريح العاصفة الصانعة كلمته. الجبال وكل الآكام، الشجر المُثمر وكل الأَرز. الوحوش وكل البهائم، الدبَّابات والطيور ذوات الأجنحة. ملوك الأرض وكل الشعوب، الرؤساء وكل قضاة الأرض.» (مز 1:148ــ11)

وعلى نهج هذا المزمور، تتهلَّل الكنيسة في تسبحتها (الهوس الثالث) كما تصلِّي في ليتورجيتها من أجل صعود مياه الأنهار، والزروع والعشب ونبات الحقل، ومن أجل الرياح والحرارة لنمو الأشجار وإنضاج الثمار، لأن هذه كلها خاضعة للتدبير الإلهي. فالفلاح يحرث ويزرع ويسقي، ولكن الله هو الذي يوفِّر الظروف لكي ينمو النبات ويثمر.

كل عناصر هذا الكون، إذن، تحكمها القوانين التي صنعها الله. ولكن لأنه خالقها فهو يقدر أن يوقفها عندما يشاء ــ استثناءً بصورة معجزية ــ لتحقيق إرادته في مواقف بعينها. كما في الضربات العشر تمهيداً لخروج بني إسرائيل من مصر (خر 7ــ12)، وانشقاق الأرض لتبتلع قورح وداثان وأبيرام (عد 31:16ــ33)، وتكلُّم أتان بلعام (عد 28:22)، وثبات الشمس (أي توقُّف دوران الأرض) استجابة لابتهال يشوع بن نون في حربه مع الأموريين: «يا شمس دومي على جبعون» (يش 12:10)، وإظلام الشمس وقت الصَّلْب في نصف النهار (من الظهيرة حتى الساعة الثالثة بعد الظهر) (مت 45:27، مر 33:15، لو 44:23). وخلال حياته على الأرض أظهر الرب سلطانه على الطبيعة وقوانينها فسار على أمواج البحر الهائج (مت 25:14) كما انتهر الرياح والعواصف: «وقال للبحر: اسكُتْ. ابْكَمْ. فسكنت الريح وصار هدوء عظيم» (مر 39:4)، وفي خوفهم قال التلاميذ: «فإنَّ الريح أيضاً والبحر يُطيعانه!» (مر 41:4، لو 25:8)

وبالصلاة وتحقيقاً لوعد الرب «لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل لكنتم تقولون لهذا الجبل: انتقل من هنا إلى هناك فينتقل» (مت 20:17)، فإن جبل المقطم الذي كان يجثم على قلب القاهرة قد انتقل عنها بعيداً نحو الشرق.

وحتى في ثورات البراكين وفيضانات الأنهار وحركات الزلازل، فهذه كلها محكومة بالتدبير الإلهي وليست شرًّا كلها. وهي تعلِّم الإنسان كيف يُعظِّم فائدته ويتفادى الأخطار. كما أنه وقت المحن كالجفاف وما يتبعه من مجاعات، أو الفيضانات التي تشرِّد السكان، تتضافر جهود البشر ويتصاعد الإحساس بوحدة الإنسانية على اتساع القارات، ومبادرة قوى العالم ومؤسَّساته لتخفيف ويلات المُضَارِين وبذل الجهد في ترويض قوى الطبيعة لتكون في خدمة الإنسان.

2 ــ الله ضابط العلاقات مع وبين البشر والحُكَّام والدول:

فهو صانع العدل في السماء وعلى الأرض: «وعدله قائم إلى الأبد» (مز 3:111)، وهو «مُجري العدل والقضاء» (مز 6:103)، وهو «المُجري حُكماً للمظلومين» (مز 7:146)، ويقضي بالعدل للمساكين (إش 4:11، 1بط 23:2)، وهو صديق الضعفاء «يعضد اليتيم والأرملة» (مز 9:146)، وهو يهب النجاح للمجدِّين الأُمناء لا للكسالى المتقاعسين (مَثَل الوزنات: مت 14:25ــ30).

ومن أجل تحقيق العدل فإنه «أنزل الأعزَّاء عن الكراسي ورفع المتضعين. أشبع الجياع خيرات وصرف الأغنياء فارغين»، كما فاهت العذراء القديسة في زيارتها لأليصابات (لو 52:1و53).

والكتاب يؤكِّد أن رؤساء العالم ليسوا مُطلقي السلطة، وأنهم يُوَلَّوْن بسماح الله ملك الملوك (1تي 15:6، رؤ 14:17؛ 16:19) «الذي له المجد والسلطان» (1بط 11:4؛ 11:5، رؤ 6:1). وباختباره يقول سليمان الملك والحكيم: «قلب الملك في يد الرب» (أم 1:21). كما إنهم تحت رقابة الله وأعمالهم خاضعة لحسابه، وسوف يُجازون بحسب أمانتهم باعتبار أن كُلاًّ منهم في الأساس هو «خادم الله للصلاح» (رو 4:13) كما أن «الرحمة والحق يحفظان الملك» (أم 28:20)، «لأنه ليس سلطان إلاَّ من الله، والسلاطين الكائنة هي مُرتَّّبة مِن الله، حتى إن مَن يُقاوم السلطان يُقاوم ترتيب الله، والمقاومون سيأخذون لأنفسهم دينونة» (رو 1:13و2و8). والمقصود بالمقاومة هنا هو التمرُّد المسلَّح أو العصيان العنيف ضد الدولة والحاكم الملتزم بالقانون، وليس طبعاً حق ممثِّلي الشعب المنتخبين في الرقابة على الحكومة والمشاركة بالرأي في كل الأمور السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمن القومي الذي تكفله الديموقراطية المعاصرة، وهي أن يحكم الرئيس والحكومة باسم الشعب ولحسابه، استناداً إلى الدستور والقانون الذي هو الفيصل بين كل السلطات وإليه يحتكم الجميع.

وبينما رفض الله شاول الملك لعصيانه وعزله، فقد أحب داود وشهد له قائلاً: «وجدت داود بن يسَّى رجلاً حسب قلبي الذي سيصنع كل مشيئتي» (أع 22:13)، وأقامه ملكاً بديلاً عن شاول. كما عزل الله نبوخذنصَّر ملك بابل المقاوم وحَكَمَ عليه أن يُطرد من بين الناس وتكون سكناه مع حيوان البَر، ويأكل العشب كالثيران، ويبتل جسده بندى السماء «حتى طال شعره مثل النسور، وأظفاره مثل الطيور»، إلى أن تاب ورجع إليه عقله؛ فبارك الله العليّ وحمد الحي إلى الأبد «الذي سلطانه سلطان أبدي وملكوته إلى دور فدور»، واعترف أن كل «أعماله حق وطرقه عدل. ومَن يسلك بالكبرياء فهو قادر على أن يُذلَّه.» (دا 4)

والتاريخ يشهد أن كل طغاة الأرض من الملوك والرؤساء والزعماء الذين حكموا بالظلم وتسبَّبوا في تعذيب وقتل الأبرياء وتجاوز القوانين، والذين أثاروا الحروب لحماية أنفسهم، أو بسبب أطماعهم في ثروات غيرهم، أو لتوسيع ممالكهم على حساب جيرانهم، أو استغلالاً لضعف الآخرين؛ هؤلاء نالوا جزاء جورهم وغطرستهم، ودالت دولتهم وتحقَّق فيهم قول الرب إن «كل الذين يأخذون السيف بالسيف يهلكون» (مت 52:26)، وقول الكتاب: «أما الظالم فسينال ما ظلم به وليس محاباة» (كو 25:3). وهاك القانون الإلهي النافذ على مدى الأجيال سواء على الأفراد أو الجماعات: «يُقاوم الله المستكبرين، أما المتواضعون فيُعطيهم نعمة.» (يع 6:4، 1بط 5:5)

(يتبع)

دكتور جميل نجيب سليمان

[if gte vml 1]>

God the Almighty – Part One

God's Sovereignty Over the Cosmos, Nations, and Individuals

The title Pantocrator — "the Almighty," "the All-Ruler," "the One who holds all things in His power" — is one of the most ancient and most important names given to God in Christian theology and worship. It is not merely a statement about God's power in the abstract; it is a declaration that God actively governs, directs, and controls every dimension of reality. This article explores what that sovereignty means and how it should shape the life of faith.

God's Sovereignty Over the Physical Universe:

The foundation of God's sovereignty is creation. Because He made everything from nothing — ex nihilo — everything that exists is dependent on Him for its continued existence. He is not a watchmaker who wound up the universe and stepped back; He is the sustaining ground of all that is: "In him we live and move and have our being." (Acts 17:28). The laws of nature are not independent forces that operate apart from God — they are the expression of His consistent, faithful governance of creation.

The Psalms return again and again to this theme: "The Lord reigns; he is robed in majesty; the Lord is robed; he has put on strength as his belt. Yes, the world is established; it shall never be moved." (Ps. 93:1). And again: "Yours is the day, yours also the night; you have established the heavenly lights and the sun. You have fixed all the boundaries of the earth; you have made summer and winter." (Ps. 74:16–17). The cycles of day and night, the seasons, the order of the cosmos — these are not accidents of physics but expressions of God's sovereign will.

God's Omnipresence:

God's sovereignty is possible because He is present everywhere simultaneously. No place is beyond His reach; no creature can exist beyond His awareness: "Where shall I go from your Spirit? Or where shall I flee from your presence? If I ascend to heaven, you are there! If I make my bed in Sheol, you are there! If I take the wings of the morning and dwell in the uttermost parts of the sea, even there your hand shall lead me." (Ps. 139:7–10)

This omnipresence is not threatening to the believer — it is the foundation of all comfort. The God who is everywhere is also always near. No valley is so dark that He is absent; no trial is so isolating that the believer is alone in it.

God's Omniscience:

God's sovereignty is also grounded in His perfect, comprehensive knowledge. He knows not only the present but the future: "Known to God from eternity are all His works." (Acts 15:18). He knows not only actions but intentions: "The Lord searches all hearts and understands every plan and thought." (1 Chr. 28:9). He knows not only the great events of history but the smallest details of each life: "Even the hairs of your head are all numbered." (Matt. 10:30)

This omniscience means that God is never surprised, never caught off guard, never scrambling to respond to an unexpected development. Every challenge the believer faces was known to God before the foundation of the world, and provision was already made.

God's Sovereignty Over Nations and History:

The prophets of Israel were bold to declare that God governs the nations and directs the course of history toward His purposes. Isaiah, speaking of Cyrus of Persia by name two centuries before his birth, presents God as the one who "says of Cyrus, 'He is my shepherd, and he shall fulfill all my purpose'" (Isa. 44:28). God raises up rulers and brings them down (Dan. 2:21). The great empires of history — Babylon, Persia, Greece, Rome — rose and fell according to His sovereign will.

The New Testament confirms this picture. Paul declares to the philosophers of Athens: "And he made from one man every nation of mankind to live on all the face of the earth, having determined allotted periods and the boundaries of their dwelling place." (Acts 17:26). The borders of nations, the timing of their rise and fall, the events of geopolitical history — all are within the compass of God's sovereign governance.

God's Sovereignty Over Individuals:

What is true of nations is true of individual lives. Not because God is a manipulator who removes human freedom, but because He works through the choices of free human beings to accomplish His purposes. The story of Joseph is the great Old Testament illustration: his brothers sell him into slavery with evil intent, yet Joseph can say to them at the end: "As for you, you meant evil against me, but God meant it for good." (Gen. 50:20).

The same pattern is seen throughout Scripture: Esther is brought to the throne for "such a time as this" (Esth. 4:14); Ruth's chance encounter with Boaz turns out to be providential (Ruth 2); the disciples' apparently random encounter with Jesus by the Sea of Galilee is a divine appointment (Matt. 4:18–22).

This does not mean that God micromanages every detail in a way that makes human choices meaningless. It means that He is wise and powerful enough to accomplish His eternal purposes through the very choices — good and evil — that free human beings make.

The Implications for the Life of Faith:

The doctrine of God's sovereignty is not an abstract theological proposition — it is a foundation for daily life. It means that the believer can face an uncertain future without paralysis, because the future is in God's hands. It means that the suffering believer can trust that his or her pain is not random or purposeless, because God is at work in it. It means that the believer engaged in evangelism or prayer can do so with confidence, because God is working — and His work will not ultimately fail.

In the second part of this article, we turn to God's sovereignty over the inner life of the human person — body, soul, and spirit — and over Satan and the forces of evil.

Dr. Jamil Najib Soliman

→ السابق ↑ كل المقالات التالي ←